علي بن أحمد المهائمي
320
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
القلة ، وأما الاثنان وراءه ؛ فلأن الواحد ليس من العدد ، فلو اعتبر في الواحد الأول واحد آخر كان كضرب الواحد في الواحد ، ولا يكون إلّا واحدا ، وإذا كان وجود الكثرة عن هذه الفردية ، وما يكون منه وجود شيء أولى بالوجود في نفسه ، ( فالثلاثة أوّل الأفراد ) أي : أفراد الموجودات التي منها وجود كل كثرة . ولذلك ورد النص الإلهي أنه ( عن هذه الحضرة الإلهية ) التي اعتبر فيها التثليث ( وجد العالم ) ، ( فقال تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] ) ؛ ( فهذه ) الفردية عن الحضرة الإلهية مع وحدة الذات أمور ثلاثة ( ذات ذات إرادة ، وقول ) . ثم أشار إلى أنه لا بدّ من هذه الثلاثة في الدليل العقلي أيضا كما دلّ عليه النص ، فقال : ( فلو لا هذه الذات ) الواجبة بالذات التي إليها انتهاء الممكنات دفعا للتسلسل ، ( وإرادتها ) التي لولاها لكانت نسبة الذات والقدرة إلى طرفي الوجود والعدم والأعراض المتضادة بالسوية ، فلابدّ من نسبة مرجحة لبعضها على بعض ، ( وهي نسبة التوجه ) ، أي : توجه الذات ( في التخصيص ) أي : تخصيص البعض بطرف الوجود والبعض بطرف العدم ، وتخصيص كل عرض بموضوع ( لتكوين أمر ما ) مفعول لقوله : وإرادتها ، ( ثم ) عطف على الذات أو على إرادتها على اختلاف الرائين ( قوله عند ذلك التوجه ) أشار بذلك إلى أنه نزله منزلة مباشرة العمل منا عند الإرادة ( كن ) أمرا ( لذلك الشيء ) ، أشار بذلك إلى أن أمره تعالى ، وإن كان واحدا ؛ فلابدّ من إفراد تعلقه بكل موجود ، ولا يجعل القدرة فيها لدخولها تحت الإرادة إذ لا يتصور تخصيص أمر بأمر بدون القدرة عليه ( ما كان ذلك الشيء ) لما ذكرنا ؛ فافهم أن التكوين ليس بداخل في البداية ، وإن كان الماتريدي يرى دخوله فيها ، وسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى . [ ثم ظهرت الفرديّة الثّلاثيّة أيضا في ذلك الشّيء ، وبها من جهته صحّ تكوينه واتّصافه بالوجود ، وهي شيئيّته وسماعه وامتثاله أمر مكونّه بالإيجاد ، فقابل ثلاثة بثلاثة : ذاته الثّابتة في حال عدمها في موازنة ذات موجدها ، وسماعه في موازنة إرادة موجده ، وقبوله بالامتثال لما أمره به من التّكوين في موازنة قوله كن فكان هو ، فنسب التّكوين إليه فلو لا أنّه في قوّته التّكوين من نفسه عند هذا القول ما تكوّن ، فما أوجد هذا الشّيء بعد أن لم يكن عند الأمر بالتكوين إلّا نفسه ، فأثبت الحقّ تعالى أن التّكوين للشّيء نفسه لا للحقّ ، والّذي للحقّ فيه أمره خاصّة . وكذا أخبر عن نفسه في قوله : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] فنسب التّكوين لنفس الشّيء عن أمر اللّه ، وهو الصّادق في قوله .